ابن حزم

35

جوامع السيرة النبوية

يصل ذوى رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم ، لا يجفو على أحد ، يقبل معذرة المعتذر . يمزح ولا يقول إلا حقا ، يضحك في غير قهقهة ، ويرى اللعب المباح فلا ينكره ، ويسابق أهله على الأقدام ، ويرفع الأصوات عليه فيصبر . له لقاح « 1 » وغنم ، يتقوت هو وأهله من ألبانها . وله عبيد وإماء ، لا يتفضل عليهم في مأكل ولا ملبس . ولا يمضى له وقت في غير عمل للّه تعالى ، أو فيما لا بد له من صلاح نفسه . يخرج إلى بساتين أصحابه ، ويقبل البر اليسير ، ويشرب النبيذ الحلو ، ولا يحقر مسكينا لفقره وزمانته ، ولا يهاب ملكا لملكه ، يدعو هذا وهذا إلى إلى اللّه تعالى مستويا . أطعم السم ، وسحر ، فلم يقتل من سمه ، ولا من سحره ، إذ لم ير عليهما قتلا ، ولو وجب ذلك عليهما لما تركهما . قد جمع اللّه له السيرة الفاضلة ، والسياسة التامة . وهو صلى اللّه عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى ، في بلد فقر ، وذى رعية غنم . ورباه اللّه تعالى محفوفا باللطف ، يتيما لا أب له ، ولا أم ، فعلمه اللّه جميع محاسن الأخلاق « 2 » ، والطرق الحميدة . وأوحى إليه جل وعلا أخبار

--> ( 1 ) أي له أبل حلوب . ( 2 ) يقول عليه السلام : « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » .